
دخل الذهب جلسة اليوم، الأربعاء 25 مارس، بصورة مختلفة بوضوح عن جلسة أمس. فبدلًا من أن يبقى أسير المعادلة التي ضغطت عليه مؤخرًا — أي ارتفاع النفط، وتصاعد مخاوف التضخم، وتشدد توقعات الفائدة — بدأ السوق هذا الصباح في إعادة تسعير المشهد من زاوية أخرى: إذا كانت هناك فرصة ولو مؤقتة لخفض التصعيد في الشرق الأوسط، وإذا كان النفط يهبط بقوة، فإن الضغط التضخمي قد يهدأ قليلًا، وبالتالي تتراجع الحاجة إلى تسعير فائدة أعلى لفترة أطول. كانت هذه كافية لإعادة بعض الحياة إلى الذهب بعد الجلسات العنيفة الأخيرة.
وخلال التداولات، ارتفع الذهب الفوري بقوة ليتداول قرب 4,558 دولارًا للأوقية بعد أن كان قد ارتد هذا الأسبوع من قاع حاد عند 4,097.99 دولار، بينما صعدت العقود الأمريكية الآجلة للذهب إلى نحو 4,556.30 دولار. في الوقت نفسه، انخفض النفط بأكثر من 5% مع تصاعد الحديث عن مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار لمدة شهر، وهو ما خفف مخاوف الأسواق من استمرار صدمة الطاقة بنفس الحدة التي شهدناها في الأيام الماضية. لذلك يمكن القول إن جلسة اليوم لم تكن مجرد ارتداد فني في الذهب، بل كانت إعادة تموضع حقيقية مدفوعة بتحسن نسبي في بيئة العوائد والتضخم، مع بقاء التوتر الجيوسياسي حاضرًا في الخلفية دون أن يختفي تمامًا.
ملخص التحليل: استعاد الذهب اليوم جزءًا مهمًا من زخمه الصاعد لأن هبوط النفط سحب من السوق أحد أهم العوامل التي كانت تضغط عليه، وهو الخوف من موجة تضخمية جديدة تُبقي الفائدة مرتفعة. وفي المقابل، لم تختفِ المخاطر الجيوسياسية بالكامل، بل تحولت من محرك تضخمي خالص إلى مصدر عدم يقين يمنح الذهب مساحة للتماسك والارتداد. لذلك جاءت حركة اليوم أقرب إلى تعافٍ مدفوع بتحسن البيئة الكلية أكثر من كونها مجرد ردة فعل عاطفية سريعة. |
لماذا ارتفع الذهب اليوم؟
السبب الرئيسي هو أن السوق بدأت تتنفس قليلًا بعد الهبوط الحاد في النفط. ففي الأيام السابقة، كانت أسعار الطاقة المرتفعة تعمل ضد الذهب لا لصالحه، لأن المستثمرين رأوا فيها تهديدًا تضخميًا قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على الفائدة مرتفعة، أو على الأقل يقلص فرص الخفض. أما اليوم، فمع هبوط خام برنت إلى حدود 95 دولارًا تقريبًا وتراجع الخام الأمريكي إلى حدود 87 دولارًا، بدأت هذه المخاوف تهدأ نسبيًا. وبمجرد أن انخفضت حدة التسعير التضخمي، تحسن موقف الذهب فورًا.
كذلك، فإن الحديث عن مقترح أمريكي لتهدئة الحرب لمدة شهر، رغم أن إيران نفت وجود مفاوضات مباشرة، خلق حالة من الارتياح المشروط داخل الأسواق. هذه النقطة مهمة جدًا، لأن السوق لا تتصرف اليوم وكأن الأزمة انتهت، بل وكأن احتمال الانفجار الكامل لم يعد هو السيناريو الوحيد المطروح. وهذا وحده كان كافيًا لخفض جزء من علاوة المخاطر المضافة على النفط، ومن ثم تخفيف الضغط على توقعات التضخم والعوائد. واستفاد الذهب من هذه النقلة في المزاج، ليس لأن التهدئة مؤكدة، بل لأن السوق لم تعد تسعّر أسوأ السيناريوهات بنفس العدوانية.
النفط تراجع… وهذه المرة كان الخبر إيجابيًا للذهب
واحدة من أهم المفارقات التي كنا نتكلم عنها خلال الأيام الماضية هي أن الحرب لم تكن تدعم الذهب تلقائيًا، لأن أثرها عبر النفط والتضخم والعوائد كان أحيانًا أقوى من أثرها كملاذ آمن. اليوم حصل العكس جزئيًا. فقد تراجعت أسعار النفط بأكثر من 5% مع صعود الآمال بتهدئة مؤقتة، فتراجع معها جزء من القلق المرتبط بتكاليف الطاقة وباحتمال استمرار الضغط على البنوك المركزية. وخفف هذا التحول العبء عن الذهب، وسمح للمعدن الأصفر بأن يستعيد جزءًا من دوره التقليدي كأصل دفاعي دون أن يُعاقَب مباشرة عبر قناة الفائدة.
والأهم أن السوق لم تتعامل مع هبوط النفط على أنه مجرد خبر سلبي لقطاع الطاقة، بل باعتباره إشارة واسعة على أن موجة الذعر الأخيرة قد تهدأ نسبيًا. وهذا التغيير في التفسير هو ما يفسر لماذا ارتفع الذهب بالتزامن مع صعود الأسهم وتراجع العوائد، بدلًا من أن يتراجع مع تحسن شهية المخاطرة.
الدولار لا يزال متماسكًا… لكن تأثيره لم يعد كافيًا لكبح الذهب
رغم أن مؤشر الدولار الأمريكي لم ينهَر اليوم، بل سجل ارتفاعًا طفيفًا إلى نحو 99.317 نقطة، فإن هذا الصعود لم يكن قويًا بما يكفي لإيقاف تعافي الذهب. وهذه نقطة مهمة في قراءة جلسة اليوم؛ لأن الذهب عادة يجد صعوبة في الصعود عندما يكون الدولار في وضع قوي. لكن ما حدث الآن أن أثر الدولار الإيجابي جاء محدودًا، بينما كان أثر النفط والعوائد أكثر وضوحًا في توجيه السوق. بمعنى آخر، ما زال الدولار يمثل عنصر ضغط نسبي، لكنه لم يعد اللاعب المهيمن الوحيد كما كان في بعض جلسات الأسبوع.
يؤكد هذا السلوك أيضًا أن المستثمرين لم يعودوا يبنون مراكزهم فقط على فرضية "الدولار أولًا"، بل بدأوا يوازنون بين عدة محركات في وقت واحد: مسار الحرب، اتجاه الطاقة، توقعات الفيدرالي، وشهية المخاطر العالمية. ولذلك لم يكن ارتفاع الدولار الطفيف كافيًا لإبطال مكاسب الذهب، خاصة مع بقاء المشهد الجيوسياسي هشًا وقابلًا للانتكاس في أي لحظة.
العوائد الأمريكية تراجعت… وهذا أعاد التنفس للمعدن الأصفر
هبط عائد السندات الأمريكية لأجل عامين إلى نحو 3.888%، بينما تراجع عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى حوالي 4.354%. صحيح أن هذه المستويات لا تزال مرتفعة نسبيًا، لكنها أقل من قراءات الجلسات التي شهدت ضغطًا واضحًا على الذهب، وهو ما يعني أن السوق خففت قليلًا من رهانها على بقاء السياسة النقدية أكثر تشددًا.
لا يحتاج المعدن الأصفر بالضرورة إلى انهيار العوائد كي يرتفع، بل يكفي أحيانًا أن تتوقف عن الصعود وأن يبدأ السوق في تقليص رهانات التشدد. وهذا تقريبًا ما حدث اليوم.
ومن جانب أخر، أشارت رويترز إلى أن احتمالات رفع الفائدة بحلول ديسمبر تراجعت إلى 16% فقط من 25% الأسبوع الماضي، وهو ما يوضح أن الأسواق بدأت تستعيد بعض التوازن بعد صدمة النفط الأخيرة. وهذا التحول، حتى لو كان محدودًا، منح الذهب دفعة كبيرة.
التحليل الفني لسعر الذهب اليوم 25 مارس 2026

ملخص التحليل الفني: تحرك الذهب خلال الجلسة داخل نطاق صاعد تدريجيًا بعد موجة تذبذب واضحة في النصف الأول من التداولات. نجح السعر في الارتداد من قاع يومي قرب 4,527.210، ثم صعد ليستقر قرب 4,573.793، وهو قريب جدًا من أعلى مستوى ظاهر على الشارت عند 4,573.900. تعني هذه الحركة أن المشترين استعادوا السيطرة في الساعات الأخيرة، خصوصًا مع بقاء السعر أعلى مناطق الدعم اللحظية التي كانت تعيق الصعود سابقًا. |
نجح الذهب في تجاوز منطقة 4,555.590 خلال الساعات الأخيرة، كما بات يختبر بشكل مباشر منطقة 4,569.090. وبما أن السعر يتداول الآن أعلى هذين المستويين أو ملاصقًا لهما، فإنهما يتحولان من مقاومات سابقة إلى مناطق ارتكاز مهمة يجب مراقبتها بعناية. فإذا حافظ السعر على التداول فوقها، تبقى الكفة مائلة لصالح المشترين. أما إذا عاد وكسرها سريعًا، فقد نفهم أن الاندفاعة الأخيرة كانت أقرب إلى اندفاع لحظي لا أكثر.
ما يدعم هذه القراءة أكثر هو أن مؤشر القوة النسبية RSI صعد إلى 70.30، بينما يتحرك متوسطه عند 59.78. تظهر هذه القراءة زخمًا صاعدًا واضحًا، لكنها في الوقت نفسه تضع السوق قرب منطقة قد تشهد بعض التهدئة أو جني الأرباح على المدى القصير. لذلك الصورة الفنية الحالية إيجابية، لكن ليست مريحة تمامًا للمطاردة العشوائية من الأعلى؛ لأن السوق أصبحت قريبة من حالة تشبع نسبي، ما يعني أن استمرار الصعود يحتاج إما إلى اختراق قوي واضح، أو إلى تراجع محدود يعيد ترتيب الزخم قبل محاولة جديدة.
مستويات المقاومة
4,573.900 دولارًا: القمة الحالية الظاهرة على الشارت، واختراقها بثبات يفتح الطريق لاستكمال الصعود.
4,580 دولارًا تقريبًا: مستوى نفسي قريب، وقد يكون أول هدف بعد تجاوز القمة الحالية.
4,590 – 4,600 دولار: منطقة فنية ونفسية تالية إذا استمر الزخم الصاعد ولم يظهر ضغط بيع قوي.
مستويات الدعم
4,569.090 دولارًا: أول دعم لحظي مهم، والحفاظ عليه يبقي الصورة الإيجابية قائمة.
4,555.590 دولارًا: دعم محوري قريب، وكسره يخفف من قوة الزخم الحالي.
4,544 – 4,538 دولارًا تقريبًا: منطقة دعم أعمق داخل نطاق التذبذب السابق، والعودة إليها تعني أن السوق دخلت في تصحيح أوضح.
4,527.210 دولارًا: القاع اليومي، وكسره يغير الصورة اللحظية بوضوح لصالح البائعين.
ماذا تقول الحركة الفنية عن الجلسة؟
انتقل الذهب من وضع الدفاع إلى وضع الهجوم الحذر. لم يعد يتحرك فقط كارتداد من قاع، بل أصبح يضغط على القمم المباشرة ويغلق بالقرب منها. وهذه عادة إشارة إيجابية، لأنها تعني أن المشترين لم يكتفوا بالتقاط السعر من مستويات منخفضة، بل حافظوا على وجودهم حتى نهاية الموجة الحالية.
لكن في الوقت نفسه، يجب الانتباه إلى أن اقتراب RSI من 70 يعني أن السوق قد تحتاج إلى أنفاس قصيرة قبل أي امتداد صاعد جديد. لذلك السيناريو الإيجابي لا يزال قائمًا، لكن بشرط أساسي: ألا يفقد الذهب سريعًا مستوى 4,569 ثم 4,555. طالما بقي فوق هذه المنطقة، تبقى احتمالات استهداف 4,580 ثم 4,590/4,600 قائمة. أما كسرها فقد يدفع إلى تصحيح هابط قصير قبل أن يحاول السوق استعادة التوازن.
توقعات الذهب اليوم
على المدى القصير، ستظل حركة الذهب مرتبطة بثلاثة محاور رئيسية. الأول هو مسار التهدئة في الشرق الأوسط: هل يتحول الحديث عن وقف إطلاق النار إلى خطوات أكثر جدية، أم يعود التصعيد ليفرض نفسه من جديد؟ الثاني هو اتجاه النفط: لأن بقاء برنت دون 100 دولار يخفف الضغط التضخمي ويدعم الذهب بشكل غير مباشر، بينما أي ارتداد قوي في الطاقة قد يعيد إحياء نفس المخاوف التي ضغطت على المعدن خلال الأيام الماضية. والثالث هو اتجاه العوائد الأمريكية: لأن أي عودة للصعود الحاد ستقلص مساحة الذهب سريعًا حتى لو بقيت المخاطر الجيوسياسية مرتفعة.
فنيًا، يبقى السيناريو الأقرب مائلًا إلى الإيجابية طالما استقر السعر فوق 4,569.090 ثم 4,555.590. وإذا نجح الذهب في تثبيت التداول فوق القمة الحالية 4,573.900، فقد نرى امتدادًا نحو 4,580 ثم 4,590 – 4,600. أما في السيناريو المقابل، فإن فشل السعر في الحفاظ على هذه المنطقة، خاصة مع ظهور جني أرباح بسبب ارتفاع RSI، قد يعيد التحرك نحو 4,544 – 4,538 وربما 4,527 إذا ضعف الزخم بشكل أوضح.
أداء المعادن الثمينة الأخرى اليوم
لم يقتصر التحسن على الذهب وحده، بل امتد إلى بقية المعادن الثمينة أيضًا، وهو ما يدعم فكرة أن السوق شهدت اليوم ارتدادًا أوسع في قطاع المعادن مع هدوء الضغط الناجم عن النفط والعوائد. فقد ارتفعت الفضة بنحو 2.2%، وصعد البلاتين حوالي 1.3%، فيما زاد البلاديوم قرابة 1.1%. وهذا الارتفاع الجماعي مهم، لأنه يشير إلى أن التعافي لم يكن مجرد حركة منفردة في الذهب، بل جزءًا من تحسن أوسع في مزاج المستثمرين تجاه المعادن بعد جلسات الضغط السابقة.
خلاصة التحليل
استعاد الذهب اليوم 25 مارس جزءًا قويًا من زخمه لأن السوق أعادت تقييم المشهد بالكامل: النفط تراجع، العوائد هدأت، واحتمالات التشدد النقدي فقدت بعض زخمها. وفي المقابل، بقيت الحرب والتوترات السياسية عنصرًا داعمًا لوجود الطلب الدفاعي، حتى لو لم تختفِ المخاطر تمامًا. ولهذا جاء صعود الذهب اليوم منطقيًا ومتماسكًا أكثر من كونه مجرد رد فعل عابر.
أما فنيًا، فالصورة الحالية إيجابية بوضوح، لأن السعر يتحرك قرب القمة اليومية ومؤشر الزخم يدعم استمرار الأفضلية الشرائية، لكن مع اقتراب السوق من منطقة قد تشهد بعض التهدئة المؤقتة. لذلك ستظل الأنظار مركزة على قدرة الذهب على الثبات فوق 4,569 و4,555، لأن الحفاظ على هذه المنطقة يبقي الباب مفتوحًا أمام امتداد الصعود خلال الساعات التالية.